محمد سعيد رمضان البوطي
138
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
وتقريره . فلو أنه فعل كما فعل عمر ، لحسب الناس أن هذا هو الواجب ! . . وأنه لا يجوز أخذ الحيطة والحذر ، والتخفي عند الخوف . مع أن اللّه عز وجل أقام شريعته في هذه الدنيا على مقتضى الأسباب ومسبباتها ، وإن كان الواقع الذي لا شك فيه أن ذلك بتسبيب اللّه تعالى وإرادته . لأجل ذلك ، استعمل الرسول صلّى اللّه عليه وسلم كل الأساليب والوسائل المادية التي يهتدي إليها العقل البشري في مثل هذا العمل ، حتى لم يترك وسيلة من هذه الوسائل إلا اعتدّ بها واستعملها ، فترك علي بن أبي طالب ينام في فراشه ويتغطى ببرده ، واستعان بأحد المشركين - بعد أن أمنه - ليدله على الطرق الفرعية التي قد لا تخطر في بال الأعداء ، وأقام في الغار ثلاثة أيام متخفيا ، إلى آخر ما عبّأه من الاحتياطات المادية التي قد يفكر بها العقل ، ليوضح بذلك أن الإيمان باللّه عز وجل لا ينافي استعمال الأسباب المادية التي أراد اللّه عز وجل بعظيم حكمته أن يجعلها أسبابا . وليس قيامه بذلك بسبب خوف في نفسه ، أو شكّ في إمكان وقوعه في قبضة المشركين قبل وصوله المدينة . والدليل على ذلك أنه عليه الصلاة والسلام بعد ما استنفد الأسباب المادية كلها ، وتحلق المشركون حول الغار الذي يختبئ فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وصاحبه - بحيث لو نظر أحدهم عند قدمه لأبصر الرسول صلّى اللّه عليه وسلم - استبد الخوف بقلب أبي بكر رضي اللّه عنه على حين كان يطمئنه عليه الصلاة والسلام قائلا : « يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين اللّه ثالثهما ؟ » ، ولقد كان من مقتضى اعتماده على كل تلك الاحتياطات أن يشعر بشيء من الخوف والجزع في تلك الحال . لقد كان كل ما فعله من تلك الاحتياطات إذن ، وظيفة تشريعية قام بها ، فلما انتهى من أدائها ، عاد قلبه مرتبطا باللّه عز وجل معتمدا على حمايته وتوفيقه ، ليعلم المسلمون أن الاعتماد في كل أمر لا ينبغي أن يكون إلا على اللّه عز وجل ، ولكن لا ينافي ذلك احترام الأسباب التي جعلها اللّه في هذا الكون أسبابا . ومن أبرز الأدلة على هذا الذي نقوله أيضا ، حالته صلّى اللّه عليه وسلم عندما لحق به سراقة يريد قتله وأصبح على مقربة منه . لقد كان من مقتضى كل تلك الاحتياطات الهائلة التي قام بها أن يشعر بشيء من الخوف من هذا العدوّ الذي يجدّ في اللحاق به . ولكنه لم يشعر بشيء من ذلك ، بل كان مستغرقا في قراءته ومناجاته لربه لأنه يعلم أن اللّه الذي أمره بالهجرة سيمنعه من الناس ويعصمه من شرّهم كما بيّن في كتابه المبين . 3 - وفي تخلف علي رضي اللّه عنه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم في أداء الودائع التي كانت عنده إلى أصحابها دلالة باهرة على التناقض العجيب الذي كان المشركون واقعين فيه . ففي الوقت الذي كانوا يكذبونه ويرونه ساحرا أو مخادعا لم يكونوا يجدون من حولهم من هو خير منه أمانة وصدقا ،